خدماتناالوظائف الشاغرةالعطاءاتارشيف الاخبار والبياناتأتصل بنا
  E | ع    
مـــبـــدأ ســــد الــــذرائـــع

بقلم: فضيلة القاضي ناصر القرم / عضو محكمة الاستئناف الشرعية

لقد اختلفت آراء العلماء في تحديد ضوابط قاعدة [سد الذرائع] ولكنها ترجع إلى كونها جائزة بذاتها، لكنها توصل إلى ممنوع، قال ابن تيمية رحمه الله رمز تعبيري الذريعة ما كان وسيلة وطريقاً إلى الشيء، ولكن صارت في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى فعل محرم، ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن لها مفسدة]، ويقول الإمام القرافي رحمه الله رمز تعبيري اعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، وتكره وتندب وتباح، فالذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة كالسعي للجمعة والحج]، ويقول الشاطبي رحمه الله :[حقيقة الذرائع التوصل بما هو مصلحة إلى مفسدة] .

ويفصل القول في قاعدة الذرائع العلامة ابن القيم رحمه الله فيقول : [لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها ومعتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها، بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرم الله تعالى شيئاً وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقا لتحريمه، وتثبيتا له، ومنعا أن يقرب حماه، قال صلى الله عليه وسلم : (الْحَلالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاس، فَمَنِ اتَّقَى الْشبهَاتِ فقد اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وقع في الحرام، كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَه، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا وإِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُه، أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّه، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّه، أَلا وَهِيَ الْقَلْب)، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضاً للتحريم ، وإغراءً للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك، فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعد متناقضاً، ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصودة، وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال ؟ ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها، والذريعة هي ما كان وسيلة وطريقاً إلى الشيء .

إن سد الذرائع أصل من أصول الشريعة الإسلامية، وحقيقته : منع المباحات التي يتوصل بها إلى مفاسد أو محظورات، ولا يقتصر على مواضع الاشتباه والاحتياط، وإنما يشمل كل ما من شأنه التوصل به إلى الحرام، وأنه يقتضي سد الحيل إلى إتيان المحظورات، أو إبطال شيء من المطلوبات الشرعية، غير أن الحيلة تفترق عن الذريعة باشتراط وجود القصد في الأولى دون الثانية .

فالنظر إلى مآلات الأقوال والأفعال في عموم التصرفات مقصد مهم لشريعة الإسلام، بل أن جميع الأحكام تتأسس على النظر المصلحي في مآل العباد في العاجل أو الأجل، ولهذا فالمفتي والقاضي والمجتهد ينبغي لهم تقدير مآلات الأفعال التي هي محل حكمهم، وليست المهمة في إعطاء الحكم الشرعي فحسب، بل لا بد من استحضار المآلات والآثار والعواقب عليه، يقول الشاطبي : [النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً أكانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل شرعاً لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ]
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله رمز تعبيري فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره]، فإنكار المنكر أربع درجات، الأولى : أن يزول ويخلفه ضده، الثانية : أن يقل وإن لم يزل بجملته ، الثالثة : أن يخلفه ما هو مثله، الرابعة : أن يخلفه ما هو شر منه : فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة، فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة، إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك، وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيراً من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلا لهم عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلا بكتب المجون ونحوها وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر فدعه وكتبه الأولى، قال ابن تيمية : [ مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له : إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمرعن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم ] .
وحينما تستعرض هذه القاعدة – اعتبار المآلات – في أحكام القضاء في الإسلام فستجد أن فقهاء الشريعة اعتبروها في مقام القضاء أساساً في سلامة الحكم وصحته وتحقيقه للعدل المنشود، ولذا فقد راعوا الأحكام التي تجعل القاضي الشرعي حينما يصدر حكمه، فإنه يراعي مآلات الحكم في أحوال المتخاصمين ومصالحهم الدينية والدنيوية، بل يراعي أثرها البعيد في نطاق المصالح العامة للأمة بكل دقة وكمال، ولهذا فاعتبار النظر في المآل أصلاً في قطع أحكام النزاع والمخاصمة يعد مزية من مزايا قضاء الشرع الإسلامي، وخصوصية من أعظم خصائصه، ولهذا سأعرض بعض الجزئيات المبثوثة في الفقه الإسلامي المتعلقة بقاعدة سد الذرائع واعتبار المآلات وذلك فيما يلي :

أولاً : أن القاضي ممنوع من قبول الهدية، وما ذلك إلا لأن قبول الهدية ممن لم تجر عادته بمهاداته ذريعة إلى الحيف مع صاحب الهدية، ليس هذا فحسب بل ان الشرع قد منع قبول أي منفعة على القرض، من أجل سد أي ذريعة تؤدي إلى الربا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : نص النهي عن الربا في القرآن يتناول كل ما نهى عنه من ربا النساء والفضل، والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، فالنص متناول له كله .

ومن الأدلة الخاصة في ذلك ما رواه ابن ماجه بسنده عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي ، قال: سألت أنس بن مالك :الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي له ؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رمز تعبيري إذا أقرض أحدكم قرضًا فأهدى إليه أو حمله على دابة فلا يركبها ولا يقبلها، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك)، وقوله صلى الله عليه وسلم : (كل قرض جر منفعة فهو ربا) .

ثانياً : أن القاضي ممنوع من الحكم بعلمه لئلا يكون ذلك ذريعة إلى حكمه بالباطل ويقول : حكمت بعلمي، ويكون الحكم بعلم القاضي وسيلة إلى الهوى، فقال تعالى مخاطباً نبيه داود عليه السلام :{يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله}، ومن أجل ضمان المحاكمة العادلة يجب على القاضي أن يبين الأسباب التي بنى عليها حكمه، حتى يستطيع من لا يرضى بالحكم الطعن به بالطرق القانونية المشروعة .

ثالثاً : أن الشريعة منعت من قبول شهادة العدو على عدوه، لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى بلوغ غرضه من عدوه بالشهادة الباطلة، وهذا مايعرف بالعداوة الدنيوية، وكذلك لا تقبل شهادة الأصل لفرعه، ولا الفرع لأصله، ولا الأزواج لبعضهما، كي تكون الشهادة بأن لا تجر مغنماً، ولا تدفع مغرماً، وأن يكون الشاهد خالياً من القرابة النافعة أو العداوة المانعة، وان تكون شهادته لله تعالى القائل : {وأقيموا الشهادة لله}، إلا أن تكون الشهادة في حقوق الله تعالى شهادة حسبة، فقال تعالى : {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه}، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( على مثل الشمس فاشهد، وإلا فدع ) .

رابعاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تقطع الأيدي في الغزو، قال ابن القيم : [وذلك لئلا يكون ذريعة إلى إلحاق المحدود بالكفار، ولهذا لا تقام الحدود في الغزو]، ومن المعلوم بأن الحدود تدرأ بالشبهات، وقد أوقف الخليفة عمر حد السرقة في عام الرمادة، وذلك لشبهة الفقر والجوع .

رابعاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكف عن قتل المنافقين، مع كونه مصلحة، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى تنفير الناس عنه، وقولهم إن محمداً يقتل أصحابه، فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه ومن لم يدخل فيه، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل، فكان الخطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بشأن المنافقين {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً} .